توفيق أبو علم

65

السيدة نفيسة رضي الله عنها

وقبل ذلك أعتق جدّه الحسين بن عليّ عليهما السلام جاريةً له وتزوّج بها ، وقد كان لمعاوية بن أبيسفيان رضياللَّه عنهما بالمدينة من يكتب إليه بما يكون من أُمور الناس وقريش خاصّةً ، فكُتب إليه : أنّ الحسين بن علي أعتق جاريةً له فتزوّجها ، فكتب معاوية إلى الحسين : من أمير المؤمنين معاوية إلى الحسين بن عليّ ، أمّا بعد ، فإنّه بلغني أنّك تزوّجت بجاريتك ، وتركت أكفّاءك من قريش ، ممّن تستحسنه للولد ، وتمجّد به في الصهر ، فلا لنفسك نظرت ، ولا لولدك انتقيت . فكتب إليه الحسين رضي الله عنه : « أمّا بعد فلقد بلغني كتابك وتعييرك إيّاي بأنّي تزوّجت مولاتي وتركت أكفّائي من قريش ، فليس فوق رسول اللَّه صلى الله عليه وآله منتهىً في شرف ، ولا غايةً في نسب ، وإنّما كانت ملك يميني خرجت عن يدي بأمرٍ التمست فيه ثواب اللَّه تعالى ، ثم ارتجعتها على سنّة نبيّه صلى الله عليه وآله ، وقد رفع اللَّه بالإسلام الخسيسة ، ووضع عنّا به النقيصة ، فلا لوم على امرئٍ مسلمٍ إلّافي أمر مأثم ، وإنّما اللوم لوم الجاهلية » . فلمّا قرأ معاوية كتابه نبذه إلى يزيد فقرأه ، وقال : لشدّ ما فخر عليك الحسين . قال : لا ولكنّها ألسنة بني هاشم الحداد التي تفلق الصخر وتغرف من البحر « 1 » . وقد بيّنت ذلك كلّه في الفصول السابقة الخاصّة بأهل البيت . وقال الأصمعي : كان أكثر أهل المدينة يكرهون الإماء ، حتّى نشأ فيهم عليّ بن الحسين والقاسم بن محمد وسالم بن عبداللَّه رضي اللَّه عنهم ، ففاقوا أهل المدينة فقهاً وعلماً وورعاً ، فرغب الناس في السراري وأقبلوا على الزواج منهنّ ، وقد تزوّج عليّ زين‌العابدين رضي الله عنه جاريةً له بعد أن أعتقها ، فبلغ ذلك عبد الملك بن مروان ، فكتب إليه يؤنّبه على فعلته ، فكتب إليه عليّ : « إنّ اللَّه رفع بالإسلام الخسيسة ، وأتمّ به النقيصة ، وأكرم به من اللؤم » « 2 » .

--> ( 1 ) أعيان الشيعة : ج 1 ص 583 . ( 2 ) نوادر الأصمعي : ج 2 ص 81 .